يزيد بن محمد الأزدي
222
تاريخ الموصل
وإنما أردنا نقله إلى ما هو أجل منه ، وما لأحد من الجماعة عندي إلا ما يحب ، واستظهر كل واحد منهم لنفسه بعد ألا يخلع الطاعة ولا ينقض بيعة فإني مستسلم لأمر الله عز وجل غير مسلم حقّا خصني الله به ، فاعل ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ولا آتى في سفك الدماء ما نهى الله - عز وجل - عنه ولست أنتصر إلا بالله . فسمع العسكر هذا فقالوا : نمضى فنسمع ما يقول ، فأخرج المقتدر جميع من كان يحمل سلاحا ، وجلس على سريره في حجره مصحف يقرأ فيه ، وأمر بفتح الأبواب ، وأحضر بنيه فأقامهم حول سريره ، فصار المظفر إلى باب الخاصة ، ثم صرف الناس على حالة جميلة ، فسروا بالسلامة ، ورجع المظفر إلى داره ، فلما كان يوم الخميس لثلاث عشرة من المحرم عاود أصحاب نازوك وسائر الفرسان الركوب في السلاح ، وأخرجوا المظفر على كره منه ، وغلبه نازوك على التدبير ، وركب نازوك يوم الجمعة بعد الصلاة والناس معه في السلاح ، فوجدوا الأبواب مغلقة ، فأحرقوا بعضها ودخلوا ، وقد تكاملت عدة الفرسان اثنى عشر ألفا ومبلغ مالهم في كل شهر خمسمائة ألف دينار ، والرجالة عشرون ألفا ومبلغ مالهم عشرون ومائة ألف دينار ، فدخل نازوك وأصحابه الدار بخيلهم ، فدخل المظفر وأخرج الخليفة وولده والسيدة إلى منزله ، ونهب الجند الدار ، ثم دخل المظفر بالقصر وأجمع رأى نازوك وعبد الله بن حمدان على إجلاس محمد بن المعتضد ، فجاءوا به في ليلة السبت للنصف من المحرم فسلموا عليه بالخلافة ، ولقب القاهر بالله ، وقلّد أبو علي بن مقلة وزارته ، ونازوك الحجبة مضافا إلى الشرطة . ونهبت دار السلطان ووجد لأم المقتدر ستمائة ألف دينار ، فحملت ، وخلع المقتدر من الخلافة يوم السبت النصف من المحرم ، وأشهد على نفسه القضاة بالخلع ، وسلم الكتاب بذلك إلى القاضي أبى عمر محمد بن يوسف ، فسلمه إلى ولده أبى الحسين ، وقال له : احفظه ولا يراه أحد من خلق الله ، فلما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين أخذ القاضي أبو عمر الكتاب فسلمه إلى المقتدر من يده إلى يده ، وحلف له أنه ما رآه أحد من خلق الله غيرى ؛ فحسن موقع ذلك من المقتدر ، وشكره وقلده بعد مديدة قضاء القضاة . ولما كان من غد بيعة القاهر - وهو يوم الأحد - جلس القاهر بالله ، وحضر الوزير أبو علي بن مقلة ، فكتب ابن مقلة إلى العمال بخبر تقليده الخلافة ، ثم شغب الجند يطلبون الأرزاق ، فلما كان يوم الاثنين اجتمعوا وطالبوا وهجموا ، فقتلوا نازوك وصاحوا : مقتدر يا منصور ! فهرب الوزير والحجاب والحشم ، وجاء المقتدر فجلس وجئ بالقاهر إليه ،